أحدث الأخبار

“موسى ابن أبي العافية” من الشخصيات الغامضة في تاريخ المغرب

+ = -

بقلم أبو يحيى//

يعتبر موسى ابن أبي العافية من الشخصيات الغامضة في تاريخ مغرب العصر الوسيط، لما لعبته من أدوار حاسمة في رسم المعالم السياسية آنذاك، من جهة أخرى عرف مغرب القرن التاسع الميلادي الفوضى والتجزئة التي وقفتا حاجزا منيعا للمجتمع المغربي ضد تشكيل دولة ذات كيان سياسي موحد ومتجانس بسبب الوضع المتشردم و الصراعات القبلية والإثنية التي عملت على تكريس التفرقة بين الإمارات الصغيرة والكيانات الصاعدة، مند ثورة البربر على الحكم الأموي التي كبدت العرب خسائر فادحة.
فبعد ضعف حكم سلالة الأدارسة بالمغرب زادت أطماع القوى المجاورة بشكل كبير، نقصد هنا الدولة العبيدية الإسم الاول للدولة الفاطمية ذات المذهب الإسماعيلي في المغرب الأوسط ببلاد كتامة والدولة الأموية بالأندلس التي كانت في أوج قوتها في عهد الخليفة عبد الرحمان الناصر، هذا المعطى التاريخي المهم دفع بالتنوع الإثني والقبلي الذي كان يعرفه المغرب إلى نتيجية حتمية هي الإقتتال فيما بينها وخوض صراع بالنيابة بين هذه القوى الكبرى آنذاك.
وفي وسط جو من الفوضى ظهرت إمارة موسى ابن أبي العافية كإمارة منافسة للإمارت البربرية الأخرى وهي نتيجة حتمية لتعويض الفراغ الذي خلفه تراجع الحكم المركزي للأدارسة.
لقراءة متأنية للتاريخ نلاحظ أنه مازالت العديد من القضايا المتعلقة بكيفية نشوء هاته الإمارة والظروف العامة التي ساعدت على ظهورها يشوبها الغموض، كما أكد الباحث المغربي “د.محمد بلعتيق” الذي ساهم بدراسة أكاديمية حول هاته الإمارة اللهم إذا إستثنينا بعض الإشارات المتفرقة، في كتابات “ابن حوقل والبكري وابن زرع وابن خلدون”.
لم يذكر إسم موسى بن أبي العافية إلا واقترن بمحنة آل البيت بالمغرب، فبعد القضاء على دولة الأغالبة ظهرت الدولة الفاطمية وتلقب أبوعبيد الله المهدي بالخليفة الفاطمي واستلاءه على إمارة بني مدرار بسجلماسة وزحف جيوش العبيدين إلى مدينة فاس عاصمة الأدارسة تحت قيادة مصالة ابن حبوس المكناسي.
خضع يحيى بن إدريس آخر أمراء سلالة الأدارسة من إمارته بفاس إلى طاعة العبيديين وحافظ على مكانته الدينية والسياسية بقصره في فاس، وتثيبت موسى ابن أبي العافية أمير قبائل مكناسة على سائر المغرب.
لكن بعد رجوع مصالة إلى المهدية عاصمة الفاطميين ظهرت خلافات عميقة بين موسى ابن أبي العافية ويحي بن إدريس، هاته الخلافات ولدت جوا سياسي مشحون بالحقد والانتقام‏.‏ فلما عاود مصالة غزو المغرب ثانية، وشى ابن أبي العافية بيحيى بن إدريس فقبض عليه وأبعده عن حكم المغرب، وحينها بدأ موسى ابن أبي العافية تنفيذ مشروعه السياسي بالسيطرة على المغرب وتأسيس كيان موحد يجمع كل الإثنيات والقبائل المتناحرة‏.‏ فولاه مصالة ابن حبوس على فاس وعظم ملكه وقوة شوكته بالمغرب‏.‏
بعد ظهور الحسن بن محمد بن القاسم بن إدريس الملقب بالحجام ودخوله فاس على حين غفلة من أهلها وقتل واليها وإجتماع الناس على بيعته، وجد ابن أبي العافية نفسه أمام استعمال القوة للتخلص من شوكة الأدارسة في معركة واد المطاحن بين تازة وفاس التي قتل فيها ولده منهال بن موسى بن أبي العافية.
وهكذا انتهت مغامرة الحجام الفاشلة، بغية استرجاع ملك أجداده الأدارسة وانتهت هاته المواجهة بسيطرة موسى ابن أبي العافية على مدينة فاس، ونفي الموالين للحجام الى قلعة عش النسر والتنكيل بهم للثأر لمقتل ابنه منهال، وتقول بعض المصادر التاريخية أن موسى بن أبي العافية قتل المئات من الأشراف الأدارسة، بنسائهم وشيوخهم وأطفالهم، بعد خروجهم من فاس هربا من بطش جنوده، فلحقت بهم الجنود بواد بالقرب من مدينة بني ملال، فاختلطت دماؤهم بماء الواد فسمي في التاريخ ب”وادي الشرفاء”. وبعد ذالك زحف إلى تلمسان وضمها إلى حكمه.
لمواجهة المد الشيعي استغل الامويون بالأندلس هاته الصراعات فقاموا بإنزال الجيوش بالمدن الشمالية للمغرب فنزلوا كالصاعقة على امراء البربر المواليين للعبيدين ومن بينهم موسى ابن ابي العافية الذي خشي مغبة نتائج هذه الحملة خصوصا انه بالكاد خرج منتصرا على الأدارسة فبادر الى التوبة بل إنه أسرف في إظهار الطاعة والولاء بحسب تعبير الدكتور محمد بلعتيق، فبدأت المراسلات و البعثات الديبلوماسية والمساعدات اللوجيستيكية تصل لتكوين جيش منظم لمواجهة أطماع العبيدين الذين كانت ردة فعلهم قوية إتجاه هذا التحالف، فنظموا حملات تاديبية عنيفة بقيادة حميد بن يصليطن وميسور الفتي، هاته الحملات كانت نتائجها كارثية على البلاد والعباد، والتي دفعت موسى ابن أبي العافية إلى الهروب إلى الصحراء والتخفي . ومند ذالك الحين ظل متشردا الى أن وافته المنية فعرفت إمارته تقهقرا وإنقساما الى أن دخل المرابطون الى مدينة فاس.
قد نتفق أو لا نتفق أن موسى ابن أبي العافية يبقى من الشخصيات المهمة التي ذكر إسمها على هوامش التاريخ بحيث أثر  بشكل مباشر على الأحداث خلال القرن العاشر الميلادي.
لم يذكر المؤرخون اسم موسى ابن أبي العافية الا مقترنا برسائل الاستعطاف والمجاملات الى الخليفة عبد الرحمان الناصر… إلا أن آخر الاكتشافات الأركيولوجية التي أشرف عليها فريق من العلماء والباحثين على رأسهم د.محمد بلعتيق أكدت ان إمارة موسى بن أبي العافية عرفت تطورا عمرانيا زاخرا.

المصادر
*روض القرطاس…ابن أبي زرع
*مفاخر البربر… مجهول
*الاستقصا الجزء الثاني… الناصري
*المقتبس الجزء الخامس… أبو حيان القرطبي
*امارة ابن أبي العافية … بحث د.محمد بلعتيق

الوسم


أترك تعليق
<