أحدث الأخبار

من لم يقرأ التاريخ لن يفهم الحاضر….

+ = -

من لم يقرأ أحداثا وقعت في الماضي أبدًا لن يفهم الحاضر، ومحاولة القطع مع أحداث الماضي، هي عبث، والتشرذم الذي تعيشه الأمة العربية والمصائب التي تنزل على رؤوسنا كل ساعة وحالة اليأس العام التي تعرفها كل الميادين، تجعل من المرأ يخيل إليه أنه يعيش في آخر الزمان وفي غير زماننا… التاريخ يحكي أن هذه الأمة في بداياتها الأولى شهدت من الأحداث العظام مايشيب له الولدان، لا أخفيكم سرا انني أصبت بالصدمة وأنا اقرأ عن أحداث الفتنة الكبرى والأحداث الأخرى التي تولدت عنها، حاولت الغوص والتثبت والتبيان من المصادر والروايات، رغم علمي ان هذه المهمة محفوفة بالمخاطر.
علمت وانا اقرأ روايات المحدثين والمؤرخين انهم علمونا في المدارس أشياء زائفة وسيئة عن تاريخنا الإسلامي. علمونا تاريخا منقح وملخص للأحداث والشخصيات غير مكتملة وناقصة في سياقها التاريخي والجفرافي، فتكونت عندنا صورة ساذجة عن هذا التاريخ ، صورة منفوخة ومليئة بالهواء. رسموا لنا لوحة يشع ألوانها تسر الناظرين.

إن أحداث الفتنة الكبرى كانت عبارة عن تهديد وانشقاق وتمزق للأمة الإسلامية الفتية، بعد زمن من وفاة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وحادثة السقيفة، كما كانت أحداث اخرى عظيمة مزقت الأمة وهددت كيانها عبر التاريخ.

في روايتها ثلاثية غرناطة تصف لنا “رضوى عاشور” حجم المصائب وهول الأحداث بعد سقوط آخر المماليك الإسلامية في الأندلس في كلمات مقتضبة ومختصرة. وصف شاعري للحالة التي وصلت اليها الأندلس و جنود الملكة ازابيلا والملك فيرناندو الثاني يحاصرون غرناطة….بعد ان فقدوا الأمل بإخوانهم في عدوة المغرب الذي احتلت معظم مدنه من طرف البرتغال… فكان الوصف جميلا ومعبرا
(…تبدو المصائب كبيرة تقبض الروح، ثم يأتي ماهوَ أعتى و أشدّ فيصغر ما بدا كبيرًا و ينكمش مُتقلّصًا في زاوية من القلب و الحشا..) .

في تاريخ الأمة الإسلامية حوادث اتفق الرواة حول صحتها ولا مجال للشك في حدوثها، فهي قطعية وثابتة، وبين هذا وذاك تفصيلات اختلفت كل المذاهب في روايتها.
فاجتماع سقيفة بنو ساعدة وتعيين أبو بكر الصديق خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، تجتمع عليها كل الآراء لكنها تختلف بشكل عنيف في ظروف وحيثيات هذا الإجتماع، رغم ما وصلنا من الإخباريين والرواة.
في الواقع ، لا يمكن أن نتحايل على حقيقة أن حادثة السقيفة قد أنتجت افكار واحداث لا تزال واضحة للعيان، ولما انتجته من تقاليد وثقافات يمكن ملاحظتها، وأن تحديثها ووصفها وتوضيحها، هو حقيقة عملية معينة قد تكون معقدة، يمكن وضعها في نسق الايديولوجيات والعقائد. والواقع يشهد بما أقول من اختلاف وتطاحن يطغى عليه في غالب الأحوال العنف بسبب اختلاف في الأفكار كان سببها الأول، سياسي محض ليس له علاقة بالدين. كما حافظت النصوص الإسلامية الكلاسيكية لحادثة السقيفة بشكل أساسي على مسارين مختلفين جذريًا. يبدو أن الغالبية العظمى من المصادر الدينية التي سيطلق عليه تدريجياً “السنة” ، التيار الرئيسي للإسلام ، الذي يدعم شرعية أبي بكر ، سعى إلى التخفيف، أو حتى حجب عنف المصادمات وجعل ذلك مشاركة شخصية شبه توافقية في محاولة للحد من نطاق الصراعات والتناقضات، ومع ذلك، فإن المصادر التاريخية، حتى السنية منها (نذكر منها الطبري) ، تحتوي على أدلة كافية للسماح لغالبية الباحثين الحديثين بتكوين فكرة ضبابية ومشكوك فيها بجدية في ما يسمى بإجماع السقيفة فيما يتعلق بانتخاب أبي بكر والوحدة المزعومة للصحابة. وفقًا لمعظم الأدبيات الفقهية السنية ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعين صراحة أي شخص لخلافته ، سواء في تصريحاته الخاصة أو من خلال الوحي القرآني (في الواقع أن القرآن “الرسمي” الذي نعرفه لا يحتوي على أي ذكر في هذا الاتجاه) .

من هنا يمكن ان نستنتج أن التاريخ يمكن أن يكون له صلة بالحقيقة إذا كان قائماً على ذاكرة الحكي والإعتماد على الرواية الشفهية للذين عاشوا الأحداث، على غرار رواة الحديث.

بشكل عام الحقيقة التاريخية ليست شيئًا غير معروف على الإطلاق. حيث تتمثل مهمة المؤرخ في تسليط الضوء عليها من خلال الكشف عن مناطق الظلام، مادام الإنسان هو الإنسان وأن التاريخ تحكمه قوانين متداخلة وصدف عجيبة وحساسة، وبالتالي يمكننا إعادة سرد الأحداث التاريخية بدون تحامل.

بقلم ادريس التباع

الوسم


أترك تعليق
<